الشوكاني

171

فتح القدير

وقيل الدنيا ، وقيل هو طمعهم في المغفرة ، وكل هذه الأشياء تدخل في مسمى الأماني ( حتى جاء أمر الله ) وهو الموت ، وقيل نصره سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم . وقال قتادة : هو إلقاؤهم في النار ( وغركم بالله الغرور ) قرأ الجمهور " الغرور " بفتح الغين ، وهو صفة على فعول ، والمراد به الشيطان : أي خدعكم بحلم الله وإمهاله الشيطان . وقرأ أبو حيوة ومحمد بن السميفع وسماك بن حرب بضمها وهو مصدر ( فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ) تفدون بها أنفسكم من النار أيها المنافقون ( ولا من الذين كفروا ) بالله ظاهرا وباطنا ( مأواكم النار ) أي منزلكم الذي تأوون إليه النار ( هي مولاكم ) أي هي أولى بكم ، والمولى في الأصل من يتولى مصالح الإنسان ثم استعمل فيمن يلازمه ، وقيل معنى مولاكم : مكانكم عن قرب ، من الولي وهو القرب . وقيل إن الله يركب في النار الحياة والعقل ، فهي تتميز غيظا على الكفار ، وقيل المعنى : هي ناصركم على طريقة قول الشاعر : تحية بينهم ضرب وجيع ( وبئس المصير ) الذي تصيرون إليه وهو النار . وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن مسعود ( يسعى نورهم بين أيديهم ) قال : يؤتون نورهم على قدر أعمالهم يمرون على الصراط ، منهم من نوره مثل الجبل ، ومنهم من نوره مثل النخلة ، وأدناهم نورا من نوره على إبهامه يطفأ مرة ويوقد أخرى . وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال : بينما الناس في ظلمة إذ بعث الله نورا ، فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه ، وكان النور دليلهم من الله إلى الجنة ، فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا إلى النور تبعوهم ، فأظلم الله على المنافقين ، فقالوا حينئذ ( انظرونا نقتبس من نوركم ) فإنا كنا معكم في الدنيا ، قال المؤمنون ( ارجعوا وراءكم ) من حيث جئتم من الظلمة ( فالتمسوا ) هنالك النور . وأخرج الطبراني وابن مردويه عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله يدعو الناس يوم القيامة بأمهاتهم سترا منه على عباده ، وأما عند الصراط فإن الله يعطى كل مؤمن نورا وكل منافق نورا ، فإذا استووا على الصراط سلب الله نور المنافقين والمنافقات ، فقال المنافقون - انظرونا نقتبس من نوركم - وقال المؤمنون - ربنا أتمم لنا نورنا - فلا يذكر عند ذلك أحد أحدا " وفي الباب أحاديث وآثار . وأخرج عبد بن حميد عن عبادة بن الصامت : أنه كان على سور بيت المقدس فبكى ، فقيل له ما يبكيك ؟ فقال : هاهنا أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه رأى جهنم . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن عساكر عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : إن السور الذي ذكره الله في القرآن ( فضرب بينهم بسور ) هو السور الذي ببيت المقدس الشرقي ( باطنه فيه الرحمة ) المسجد ( وظاهره من قبله العذاب ) يعنى وادي جهنم وما يليه . ولا يخفاك أن تفسير السور المذكور في القرآن في هذه الآية بهذا السور الكائن ببيت المقدس فيه من الإشكال مالا يدفعه مقال ، ولا سيما بعد زيادة قوله : باطنه فيه الرحمة المسجد ، فإن هذا غير ما سيقت له الآية وغير ما دلت عليه ، وأين يقع بيت المقدس أو سوره بالنسبة إلى السور الحاجز بين فريقي المؤمنين والمنافقين ، وأي معنى لذكر مسجد بيت المقدس هاهنا ، فإن كان المراد أن الله سبحانه ينزع سور بيت المقدس ، ويجعله في الدار الآخرة سورا مضروبا بين المؤمنين والمنافقين ، فما معني تفسير باطن السور وما فيه من الرحمة بالمسجد ، وإن كان المراد أن الله يسوق فريقي المؤمنين والمنافقين إلى بيت المقدس فيجعل المؤمنين داخل السور في المسجد ، ويجعل المنافقين خارجه ، فهم إذ ذاك على الصراط وفي طريق الجنة وليسوا ببيت المقدس ، فإن كان مثل هذا